عرض: مقداد خالد ‏

08091الإتجاهات الجديدة للسياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية والتي ينتهجها الرئيس باراك أوباما بهدف ‏تغيير الصورة القاتمة والكراهية التي خلفها بوش في العالم.وكان للسودان نصيب واضح من هذه السياسيات ‏الجديدة فتم تعيين الجنرال سكوت غرايشون مبعوثاً خاصاً وهو المحسوب ضمن جناح الحمائم في الإدارة ‏الأمريكية الجديدة

 

وظهرت توجهات غرايشون التصالحية في دعوته لرفع اسم السودان من قائمة الدول الرتعية للإرهاب أمام ‏الكونغرس الأمريكي الأمر الذي يعد نغمة جديدة في سلم علاقات البلدين التي لطالما اتسمت بـ (النشاز).‏

وحاول المركز القومي للإنتاج الإعلامي بتنظيمه لمؤتمر حول مستقبل العلاقات السودانية الأمريكية بقاعة ‏الشارقة وضع معايير علمية ومنهجية الغرض منها رفد الخط الرسمي بمادة بحثية لخلق علاقات قائمة على ‏أسس ومعايير سليمة وصولاً لعلاقة صحية بين البلدين. وسلط حضور ثلاثة وزراء لحقيبة الخارجية وإن ‏لحقتهم صفة الأسبق، ووزير دولة بالخارجية، وقادة حزبيين، وأكاديميين رفيعي الطراز الضوء على أهمية ‏إهتبال الفرصة المتاحة حالياً لخلق علاقات سوية بين البلدين تحترم خياراتهما وتراعي مصالح شعبيهما.‏

وابتدر الندوة الأستاذ ضياء الدين بلال مدير تحرير الصحيفة مدير الجلسة لورقة د. مصطفى عثمان إسماعيل ‏مستشار رئيس الجمهورية بإقتباس مقولة ديفيد شين الدبلوماسي الأمريكي أمام مجلس النواب (من يريد ‏التحدث بالإيجاب عن السودان كمن أراد الدخول في صدام مع قاطرة متحركة ضخمة) الأمر الذي يعكس مدى ‏تعقيد ملف علاقات البلدين، وأشار الى حديث غرايشون أمام الكونغرس والتي دعا فيها لرفع العقوبات ‏المفروضة على السودان وإنتهاج خط جديد مع السودان عوضاً عن سياسة الجزرة والعصا التي لم تجد طوال ‏الفترات السابقة.‏

وتساءل بلال هل الخلافات القائمة مع الإدارة الأمريكية أم مع الرأي العام الأمريكي بالإشارة الي إنخفاض ‏شعبية غرايشون عقب تصريحاته أمام الكونغرس لـ (3%) وأضاف تساؤلاً أخر عن مدى قدرة الطرفين في ‏إجتماعاتهما المغلقة على إيجاد حلول تحسن علاقات البلدين.‏

وطالب الأستاذ ضياء بلال، مستشار رئيس الجمهورية والحضور بإعطاء إضاءات ومعلومات حول فقه ‏التعاطي مع الولايات المتحدة والذي وسمّ دور الحكومة تجاهه بـ (الخاطىء) بإعتبار ان الحكومة أعطت ما ‏لديها بإنتظار هبات وحسنات الإدارات الأمريكية.‏

ودعا د. مصطفى عثمان إسماعيل مستشار رئيس الجمهورية، وزير الخارجية الأسبق الى أهمية وضع رؤية ‏واضحة للتعاطي مع الولايات المتحدة الأمريكية خاصة مع الخطاب التصالحي ونوايا التغيير التي يختطها ‏الرئيس الأمريكي باراك أوباما والتي يهدف من ورائها العودة لأصول الدستور الأمريكي الذي وصفه ‏إسماعيل بـ (النبيل) ومدى إنعكاس ذلك على العلاقات بين البلدين وفيما قال إن واشنطن في مرحلة وضع ‏استراتجية للتعامل مع الخرطوم عاد وأضاف: نسعى لوضع سياسة واضحة مع الولايات المتحدة وزاد: علينا ‏ألا نقف مكتوفي الأيدى وأن نتجاوب مع سياسات وتوجهات أوباما حتى تتضح معالمها عبر إنتهاج مبدا ‏الحوار.‏

ورهن د. مصطفى حدوث إختراق في علاقة البلدين بجملة من القضايا التي وصفها بمحددات السياسة ‏السودانية تجاه الولايات المتحدة أجملها في مطالبة واشنطن بـ: لعب دور إيجابي من قضية تنفيذ إتفاقيات ‏السلام والتحول الديمقراطي، إتخاذ موقف يعبر عن الشراكة في أزمة دارفور وصولاً لحلها، رفع اسم ‏السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، عدم استخدام الولايات المتحدة نفوذها في المؤسسات الدولية ‏لفرض عقوبات على البلاد، إضافة لعدم استغلال المحكمة الجنائية كآلية للضغط وإتخاذ مبدأ الحياد كحد أدنى.‏

وحث د. مصطفى على أهمية الإستمرارية في مجهودات بناء إقتصاد قوي غير مبني على المساعدات ‏والمعونات، وبناء قوة عسكرية تحفظ الأمن والقرار وترهب من يريد التدخل في الشأن السوداني، والعمل ‏على إستقرار الداخل ومعالجة النزاعات، إضافة للقيام بدور إيجابي في المحيطين الإقليمي والدولي كخطوات ‏مهمة في بناء مستقبل البلاد الإقليمي والدولي.‏

ورسم مستشار رئيس الجمهورية ثلاثة سيناريوهات محتملة لسياسات الرئيس أوباما: تمكن الحرس القديم ‏المعارض لسياسات الرئيس الجديد من إزاحته بصورة ما (الإغتيال)،أو أن تؤدي شراسة الهجمة على ‏سياسته لعودته لمربع بوش،أو أن تنجح إستراتيجيته تلك.‏

من جانبه أشار السماني الوسيلة وزير الدولة بالخارجية لجملة من المعوقات تعترض مسار علاقة البلدين في ‏مقدمتها الدعوات الداخلية لعدم رفع العقوبات عن البلاد، عجز الحكومة التعبير عن طموحات الشعب ‏السوداني، تأثيرات التعاون في ملفات مكافحة الإرهاب، حاجة الولايات المتحدة للطاقة في ظل إستثمارات ‏الصين والهند.‏

وطالب الوسيلة بضرورة التعامل مع مؤسسات صنع القرار في الولايات المتحدة وفقاً للمصالح المشتركة ‏للجانبين والتي تؤمن وحدة وسلامة البلاد عوضاً عن سياسة التعامل برد الفعل.‏

وفي تعقيبه أرجع د. سليمان حسين أبو صالح وزير الخارجية الأسبق التعاطي الأمريكي مع الشأن السوداني ‏بالاستناد على الأيدولوجيا وأشار لأهمية معرفة طبيعة الدولة التي تريدها أمريكا باللسودان (علمانية أم غير ‏علمانية).‏

وعدد بروفيسور حسن مكي أستاذ العلوم السياسية مدير جامعة أفريقيا المشاريع التي قامت بها امريكا في ‏السودان متمثلة في مشاريع: الثورة والإغاثة في الجنوب، الثورة والإغاثة في دارفور، إضافة لمشروع ‏النفط.‏

واعتبر مكي الإقتصاد محركاً رئيساً للسياسات الأمريكية وربط ذلك بسيطرة اللوبي اليهودي علي مقاليد ‏الإقتصاد الأمريكي الأمر الذي قال أنه يعني وجود شراكة بين الولايات المتحدة وإسرائيل في مشاريع الثورة ‏بكل من دارفور والجنوب عبر إذكاء نار الصراع إضافة لإنتظار أسرائيل لبترول السودان لقرب أنبوب ‏بورتسودان.‏

وشدد بروفيسور مكي على ان علاقات البلدين لن ترواح مكانهما الا عبر حدوث تغييرات داخل الأروقة ‏الأمريكية تفضي لفك قبضة الإقتصاد الأمريكي من ربقة اليهود.‏

وفيما دعا د. إبراهيم الأمين القيادي بحزب الأمة الى التعامل مع الولايات المتحدة بإطار أوسع يراعي جانب ‏الذهنية الأمريكية طالب د. أبو الحسن فرح القيادي الإتحادي مستشار مولانا الميرغني الى معرفة نقاط ‏التقاطع والتباين بين البلدين بالإضافة الى ضرورة ترتيب البيت الداخلي.‏

وفي سياق متصل قدم د. لام أكول رئيس حزب الحركة الشعبية (التغيير الديمقراطي) وزير الخارجية الأسبق ‏في ورقته عن نتاج العلاقات السودانية والأمريكية في عهدي كلينتون وبوش إضاءات تاريخية حول علاقات ‏البلدين بداية من عهد ما قبل الإستقلال حيث ظلت علاقات البلدين في تلكم الفترة قائمة على التجاهل وعدم ‏الإهتمام فيما ظهرت أول بوادر الإهتمام في تمثيل الدبلوماسى الأمريكي وريك بيركنز في أول لجنة إنتخابات ‏سودانية العام (1953).‏

وفي فترة ما بعد الإستقلال شهد الخط البياني لعلاقات البلدين تبايناً واضحاً بحسب الورقة فلعبت الجبهة ‏المعادية للإستعمار (الحزب الشيوعي لاحقاً) وحزب الشعب الديمقراطي دوراً في تشكيل رأي مضاد للولايات ‏المتحدة ما أدى لإنهيار حكومة (1958) بسبب خلافات حول قبول المعونة الأمريكية.‏

وفيما كان عهد الفريق عبود أزهى فترات علاقات بين البلدين خاصة في مجالات المعونة إنقطعت علاقات ‏البلدين تماماً عقب حرب الأيام الستة (النكسة 1967) ولم تعد الا بعد العام (1972) عقب إتفاقية أديس أبابا ‏‏. ومن المعروف بحسب الورقة ان فترة الديمقراطية الثالثة شهدت فتوراً واضحاً في علاقة البلدين خاصة مع ‏رفض مبادرة الميرغني قرنق.‏

وأسهمت عدة عوامل في تدهور علاقة البلدين بعد إستيلاء الإنقاذ على السلطة العامة (1989) في مقدمتها ‏تفعيل الولايات المتحدة قانونها الذي لا يسمح بالتعامل مع الأنظمة العسكرية، توجه الإنقاذ المعادي لأمريكا ‏ودول الإستكبار عامة بحسب ورقة د. لام، إضافة لإستضافة الخرطوم لجماعات معارضة مصنفة لدى أمريكا ‏بالإرهابية.‏

وعودة لعنوان الورقة قال د. لام بأن إدارة كلينتون تعاملت مع نظام الخرطوم بمبدأ الإحتواء إنتهاء بضرب ‏مصنع الشفاء العام (1998) هذا بالإضافة لدعم سياسات التجمع الوطني المعارض ودعم دول الجوار ‏المعادية لنظام الإنقاذ ما ادى لمزيد من التصعيد.‏

وعقب تولي بوش الابن سدة حكم الولايات المتحدة أعادت تقييم سياستها تجاه الخرطوم وكان نتاج ذلك دعم ‏العملية السلمية وصولاً لتوقيع إتفاق السلام الشامل (نيفاشا) والذي كان للولايات المتحدة فيه القدح المعلى ‏غير الإتفاق وقيام حكومة الوحدة الوطنية لم يغير من مواقف الإدارة الأمريكية كثيراً فظلت تعمل ضد السودان ‏في المحافل الدولية كافة بل واستخدمت دارفور كذريعة لفرض مزيد من العقوبات على السودان.‏

وأكد د. لام على أنه وبالرغم من إقتناع الإدارات الأمريكية المتعاقبة بضرورة إتخاذ خطوات تجاه إصلاح ‏العلاقات مع السودان لكنها لم تعد قادرة على ذلك نسبة لتخوفها من ردات فعل اللوبيات والكونغرس ‏المعارضة لتلك السياسات.‏

ونوه د. لام لوجود آراء داخل الحركة الشعبية تدعو لحكر العلاقة والولايات المتحدة في التعامل الثنائي مع ‏الحركة وقال: حال كانت الوحدة مهزوزة بالداخل فمن شأن ذلك أن ينعكس سلباً على علاقات البلاد الخارجية.‏

وفي آخر أوراق المؤتمر رؤية اكاديمية لتطوير علاقات السودان والولايات المتحدة والتي أعدها بروفيسور ‏بركات موسى الحواتي دعت الورقة لأهمية استصحاب الرأى الشعبي في كلا البلدين مع ضرورة عدم تفويت ‏الفرصة التي قدمها الرئيس الأمريكي أوباما لخلق علاقات متميزة بين البلدين.‏

واعتبر الحواتي الإنتخابات القادمة مدخلاً مهماً لقلب الشعب الأمريكي بإعتبارها فرصة مهمة لإرسال رسالة ‏له -أى الشعب الأمريكي- بمدى حب السودانيين للسلم ونبذهم وكراهيتهم الحرب.‏

وفي السياق حث الحواتي على أهمية هيكلة العلاقات ووضع تصور واضح للسياسات الخارجية خاصة مع ‏الولايات المتحدة كما ناشد بايلاء الإنفتاح على الآخر مزيداً من الإهتمام من دون مكايدات لأجل الوصول ‏للتحول الديمقراطي المرجو.‏

وفي تعقيبها على الورقة طالبت د. مريم الصادق المهدي القيادية بحزب الأمة تكامل الرؤى الرسمية ‏والأكاديمية والشعبية بعيداً عن محاولات الإستقطاب السياسي والنظر الى نقاط الضعف والقوة في علاقات ‏البلدين من خلال وضع برتوكول خاص لهذه العلاقة.‏

ونادت د. مريم بالإستفادة من علاقات الحركة الشعبية المتميزة مع الولايات المتحدة وتقوية الجبهة الداخلية ‏لإحداث التحول الديمقراطي.‏