أقام مركز دراسات الإسلام والعالم المعاصر بالخرطوم بالتعاون مع حزب الأمة القومي، مؤخرا ندوة بعنوان «السلام والديمقراطية في السودان»، تحدث فيها أستاذ العلوم السياسية بجامعة الخرطوم دكتور حسن حاج على كمتحدث رئيسي، وربط في حديثه بين عملية السلام والديمقراطية، وايهما أحق بالتقديم، وقال لا ديمقراطية بلا سلام ومن قال بغير ذلك او يريد غير ذلك قد يوصف بالعنف.
وحول موضوع الديمقراطية أشار إلى الاختلافات الكثيرة حول تعريفها وحول معناها، متسائلا هل هي عملية إجرائية بالوصول للحكم عبر الانتخابات بإجراءات محددة كما يرى البعض؟، ام انها كما يرى آخرون أن هذا لا يكفي فلابد من وجود البعد الرمزي والمقصود به اعتقاد المواطنين بأهمية الديمقراطية التي تنطلق من مبدأ المساواة بين البشر.
ويتحدث حاج علي عن بعد ثالث هو البعد الاجتماعي الثقافي بمعني وجود ثقافة متشربة بالروح الديمقراطية «وهذا يرجع للممارسة الموجودة في المجتمع ابتداءً من الأسرة ثم العشيرة ثم التنظيمات السياسية المختلفة»، اذ لابد أن يتشرب المجتمع بثقافة الديمقراطية، وأن الجميع متساوون في الحقوق والواجبات وخاضعون إلى المساءلة حتى يستقر النظام الديمقراطي. مشيرا الى ان بعض الباحثين يرى ضرورة وجود حد أدنى من التنمية حتى يستقر النظام الديمقراطي ويضربون المثل ببعض الدول مثل دولة كوستاريكا والتي استمر فيها النظام الديمقراطي، والعكس صحيح في بعض البلاد الأخرى التي كانت تعاني من انقلابات عسكرية مستمرة مثل كوريا الجنوبية، وتايوان، ولكنها استقرت واستمر فيها النظام الديمقراطي بعد أن وصلت إلى مرحلة معينة من التنمية الاقتصادية والاجتماعية بعد أن وصل الحد الأدنى لدخل الفرد إلى مستوى يمكن النظام الديمقراطي من الاستقرار.
أما في محور تجربة السودان - والحديث لحسن حاج علي - فقد كانت أول ممارسة سياسة ديمقراطية عام 1953م ثم عام 1958م ولكنها لم تستمر حيث جاء انقلاب عسكري و الذي انتهى بالانتفاضة الديمقراطية 1964م، وهذه أيضا انتهت بانقلاب عسكري. ويلاحظ حاج علي انه وخلال فترات الديمقراطية كان التمرد مشتعلا، والحركة المتمردة في الجنوب رفضت المشاركة في العملية الديمقراطية، لأنها ترى في تلك الأنظمة الديمقراطية بعض المشاكل حيث ترى فيها تكريسا للسلطة في يد نخب معينة ظلت تحكم السودان لفترة طويلة جدا، وهناك عوائق هيكلية اجتماعية واقتصادية وسياسية لابد أن تنتهي، لذلك طالبت بفترة انتقالية يتم فيها تقسيم للثروة والسلطة حتى تزول تلك العوائق. ليمضي الى القول «صحيح أن الديمقراطية في الفترات السابقة طبق فيها الشق الأول تماما حيث كانت حرة و نزيهة، ولكن هناك فئة مقدرة من الحركة السياسية مثل الحركة الشعبية ترى أن الديمقراطية بهذا الشكل غير مستوفية لشروط الديمقراطية الكاملة، بالتالي فإن تلك التجربة لم تحقق السلام»، مشيرا الى ان هذا يدفع لطرح السؤال: هل المقومات التي ارتكزت عليها تلك التجارب هي المقومات التي يريدها الشعب؟ أم لابد من تعديلات لتوائم طبيعة الشعب السوداني فلنري ذلك.
ويقول انه في البعد الاجتماعي والثقافي في التجربة السودانية الديمقراطية، يفرض السؤال نفسه هل الثقافة الاجتماعية السودانية متشربة بالثقافة الديمقراطية لتستقر الديمقراطية. «الإجابة في تقديري لا»، موضحا ان هناك مشاكل أثبتها الواقع العملي، فقد تعددت الانقلابات العسكرية، وذلك لأن النخب الحاكمة لم تكن لها قناعة راسخة بالديمقراطية، ولكنها وسيلة للاستمرار في السلطة. وخير دليل على ذلك ان الانقلابات العسكرية التي تعقب الديمقراطية كانت ذات ارتباط وثيق جدا بجهة سياسية مدنية، وبالتالي فان الانقلاب العسكري عندهم ما هو إلا وسيلة لاستمرار العمل السياسي. مشيرا الى ان السياسي المدني يواجه بأزمة معضلة في المجال المدني السياسي فيلجأ إلى تجاوزها عبر القوات المسلحة، «وبهذا لن يستمر أي نظام ديمقراطي. فهل نحن في السودان سنستمر على هذا النمط ؟ أقول إن الديمقراطية خيار للغالب ولكن هناك معضلات كبيرة، فالواقع العملي والتطبيقي مختلف جدا عن القول».
ويتساءل حاج علي في النقطة الأخيرة في حديثه: هل علينا أن نصبر حتى تحصل تنمية اقتصادية واجتماعية ويتحسن دخل الفرد ليكون لدينا نظام ديمقراطي مستقر. مشيرا الى وجود نوايا صادقة لقيام نظام ديمقراطي «ولكن للاستمرار لابد من توفر مقومات متعلقة بذلك، مثل التنمية الاقتصادية والاجتماعية حتى يتحقق لنا السلام والديمقراطية المستمرة».
لينتقل الحديث للدكتور عوض جبر الدار ادم «أمانة الاتصال بحزب الأمة القومي»، الذي طرح العديد من الأسئلة، وقال هل يمكن تطبيق الديمقراطية في بلد يعاني من عدم الاستقرار؟،وهل يمكن ذلك في بلد يعاني من الجهل والفقر؟ وهل يمكن ذلك في بلد فاقد للبنى التحتية وعدم لتنمية؟ وأضاف «إننا في حزب الأمة ننادي بالديمقراطية المستدامة، وهذه لا تتحقق إلا من خلال التنمية والاستقرار والحرية والعدالة». 
ثم تحدث نور الأنبياء عبد الله «أمانة العلاقات الخارجية حزب الأمة»، وقال تعريف الحياة السياسية هي أصلا صراع يدور بين الحرية والنظام فإذا كانت الحرية مطلقة تهدد النظام وبالعكس إذا كان النظام قابضا، مشيرا الى ان تاريخ السودان، الإرث الموجود فيه يقوم بالثورة على الظلم، وإحقاق الحق، ويمضي الى القول انه وعلى الرغم من ان السودان قطر متعدد الأعراق إلا انه ينعم بالسلم والأمن الاجتماعي لعدة قرون، وهذه أرضية خصبة للنظام الديمقراطي و دليل على استيعاب الشعب السوداني للديمقراطية. فهي خيار كل الناس في السودان، وهي الآن موجة عالمية، منبها الى ان التجربة السودانية تعاني من عدم وجود ميثاق وطني على القضايا الأساسية. بالإضافة إلى ذلك فهناك ضعف في ثقافة الديمقراطية بالسودان. وقال إن التجربة الديمقراطية بالسودان عانت من عدة مشاكل نذكر منها النقابات «فقد كانت مصدرا لابتزاز السلطة الديمقراطية و قد ساهمت في إجهاضها»، أيضا نجد الإعلام في فترة الديمقراطية الثالثة «استغل الحريات استغلالا سيئا وصل إلى حد الفوضى»، كما أن القوات المسلحة كانت تعاني من عدم قوميتها. ثم انتقل للحديث عن السلام وقال لأول مرة في تاريخ الحياة السياسية في السودان يجمع الكل على أولوية السلام، إلا انه الآن يهدد الوحدة في السودان لان تقرير المصير في العالم الثالث يعني الانفصال .
ثم تحدث حسن النور «أمين الاتصال السياسي بحزب الأمة القومي»،وقال إن الديمقراطية تعزز السلام في السودان، ومشاكل السودان لا تحلها الديمقراطية لوحدها، فلا بد من حل بعض الإشكاليات حتى نصل إلى نظام ديمقراطي مستدام، فلا بد من إعادة بناء الخدمة المدنية وقومية القوات المسلحة، والأنظمة الاقتصادية، وهذا يتطلب إجماعا قوميا، وقد يحتاج هذا إلى فترة انتقالية غير قصيرة، حتى يكون الملعب جاهزا.
وفي تعقيب أخير لحسن حاج علي قال لابد من الصبر على الدوران بين الديمقراطية والعسكرية حتى نصل إلى تنمية اقتصادية واجتماعية معينة.
أما عن المستقبل فكل القوى السياسية اتعظت من الماضي، ووصلت إلى قناعة بضرورة تطبيق الديمقراطية. أخيرا لابد من فترة الانتقالية كافية وهذا شيء مهم ، مضيفا «ولكن إلى متى سنكون في فترات انتقالية».
الخرطوم : الصحافة